كأس العالم من الألف للياء (12) | مونديال 1966 .. قصة الكلب الذي أنقذ حلم ريميه من الضياع

التعليقات()
AFP
قبل عدة أشهر من إقامة بطولة كأس العالم 2018 في روسيا، جول يروي في سلسلة خاصة كواليس المونديال منذ النشأة وحتى يومنا هذا..

محمد أشرف | فيسبوك  | تويتر


بدأت كرة القدم تأخذ منحنى تصاعدي كبير في ظل زيادة الاهتمام والمتابعة، وبدأ الناس يلتفوا حولها بدلاً من أخبار الصراعات بين المعسكرين الشرقي والغربي.

كانت البرازيل في قمة المجد، فقد حققت لقبين من كأس العالم على التوالي، وكانت أوروبا وقتها قد تتحررت تماماً من هيمنة ريال مدريد، حيث بزخ نجم بنفيكا البرتغالي مع الساحر الشاب إيزيبيو، وأبهر الإنتر العالم مع هيلينيو هيريرا بطريقة دفاعية محكمة، وبدأت خريطة العالم الكروي تتغير استعداداً لكأس العالم 1966 الذي سنستعرض أحداثه وكواليسه في هذه الحلقة.


مونديال 1966 .. إنجلترا تصعد أخيراً على منصة التتويج، وكلباً ينقذ مصير كأس العالم


World cup 1966

تم إعلان إنجلترا كمستضيفة في 22 أغسطس 1960 في العاصمة الإيطالية روما، وتفوقت على إسبانيا وألمانيا اللتين تقدمتا من أجل الفوز بشرف تنظيم المونديال.

تمت سرقة كأس العالم في 20 مارس 1966، حيث تلقى الاتحاد الإنجليزي طلباً لعرض الكأس الذهبية في معرض ستانلي للطوابع البريدية في وستمينستر، وهي منطقة مراقبة جيداً من قبل شرطة مدينة لندن وعلى بعد بضعة أمتار من مقرّ البرلمان الإنجليزي.

وافق رئيس الفيفا ستانلي روس على العرض بشروط، وهي أن يتم نقل الكأس من قبل شركة أمنية معروفة، وأن توضع الكأس في صندوق زجاجي مقفل وتتم حراستها على مدى 24 ساعة، ويتم تأمينها بمبلغ 30 ألف جنيه إسترليني.

نجح مرتكب السرقة في تنفيذ جريمته بين الساعة 11:00 و12:10 ظهراً ولم يترك أي أثراً خلفه، وبعد مرور أسبوع على الحادث عثر كلب بوليسي يدعى بيكليز على الكأس، وكانت ملفوفة بورق جرائد وخيط وملقاة بجانب إطار سيارة.

شهدت البطولة مقاطعة جميع منتخبات قارة أفريقيا وآسيا للتصفيات المؤهلة لها فيما عدا منتخب كوريا الشمالية، وجاء هذا القرار بعد شعورهم بالظلم من الاتحاد الدولي لكرة القدم في توزيع المقاعد.

خصصت الفيفا مقعداً واحداً فقط لأفريقيا وآسيا مجتمعتين، ومنحت أوروبا 9 مقاعد، وأمريكا الجنوبية والشمالية 4 مقاعد، مع مقعد لإنجلترا المنظمة، ومقعد للبرازيل حاملة اللقب.

تم الإعلان عن أول تميمة لكأس العالم، وكانت على شكل الأسد الإنجليزي وأطلق عليها "الأسد ويلي".

شاركت 60 دولة في التصفيات، وتأهلت منتخبات البرتغال وكوريا الشمالية للمرة الأولى، وكان هذا الظهور الأخير للمنتخب الأوروبي حتى بطولة 1986، كما كانت المشاركة الأخيرة للممثل الآسيوي حتى عام 2010، وكان المونديال الأخير لمنتخب سويسرا حتى نهائيات كأس العالم 1994.

أبدعت يوغسلافيا والتشيك في كأس العالم 1962، لكنهما فشلتا في التأهل لمونديال 1966.

تم تقسيم المنتخبات الـ16 على أربعة مجموعات، وكان نظام المسابقة يقضي بأن يتأهل أول فريقين من كل مجموعة إلى الدور ربع النهائي.

مع تفوق منتخب البرازيل في كأسي عالم 1958 و1962، بدأ المدربون في اختراع طرقاً دفاعيةً جديدة لإيقاف السامبا الكاسحة، لذا تميزت بطولة 1966 بانتشار الطرق الدفاعية والحذر الدفاعي.

تحدثنا في الحلقة السابقة عن أن جرينشيا الجناح الأيمن الأفضل في تاريخ اللعبة بدأ في الاتجاه للاستمتاع بحياته وتراجعت معدلاته البدنية، وذلك بعد فوزه بمونديال 1962، لكن عودة المدير الفني الأسطوري فيولا الذي حقق مونديال 1958 مع البرازيل، أتاحت لجرينشيا العودة من جديد للمنتخب في قائمة كأس العالم 1966.

خصصت إنجلترا ثمانية ملاعب لاستضافة البطولة الذي أقيم لأول مرة في الملاعب البريطانية، وأدار المباريات 25 حكماً منهم المصري علي قنديل الذي أدار مباراة كوريا الشمالية وشيلي، فأصبح أول حكماً مصرياً وعربياً يظهر في المونديال.

شهدت المجموعة الأولى تعادل أصحاب الأرض في مباراتهم الأولى مع أوروجواي بدون أهداف، ثم فازوا على المكسيك بهدفين، ثم على فرنسا بنفس النتيجة، فتصدروا المجموعة بسهولة تحت قيادة المدير الفني العظيم السير آلف رامسي، واحتل الأزرق السماوي المركز الثاني، كما ودع الديوك المسابقة مع التريكولور.

كانت إنجلترا تمتلك فريقاً قوياً للغاية في كل المركز، كان لديها جوردون بانكس في حراسة المرمي، وبوبي مور وجيمس جرافيس وبوبي شارلتون وهارست.

تصدرت ألمانيا الغربية المجموعة الثانية التي ضمت الأرجنتين وإسبانيا وسويسرا برصيد 5 نقاط، وبفارق هدفين عن التانجو الذي حل ثانياً، كما واصلت إسبانيا خيباتها في كأس العالم، على الرغم من أنها كانت حاملة لقب يورو 1964، وخرجت من الدور الأول رفقة السويسريين.

اكتسحت البرتغال بقيادة إيزيبيو المجموعة الثالثة، وظهرت البرازيل بمظهراً مخيباً بسبب إصابة بيليه وتراجع مستوى جرينشيا، وفي مفاجأةٍ صارخة خرج بطل النسختين السابقتين من كأس العالم من الدور الأول، وتأهلت المجر بدلاً منه.

Eusebio Portugal Bulgaria 1966 FIFA World Cup

كانت مباراة البرازيل والبرتغال من المباريات التاريخية في هذه البطولة، انتظر الجميع أن ينهض السليساو من ثباته وينتصر ليتأهل، لكنه تفاجأ بقوة منتخب البرتغال الذي فاز بنتيجة (3-1)، ومنذ ذلك الوقت أطلقت الصحافة الإنجليزية على البرتغال (برازيل أوروبا).

تصدر منتخب الاتحاد السوفيتي المجموعة الرابعة برصيد 6 نقاط، وكان الفريق الوحيد الذي جمع هذا العدد من النقاط بين المنتخبات المشاركة، وكان قائدهم الأسطورة ليف ياشين.

انتقمت إيطاليا من تشيلي، وذكرنا في الحلقة السابقة كيف كانت معركة ناسيونال بين المنتخبين التي تفوقت بها تشيلي في النهاية، لكن الحال اختلف في 1966 وتفوق الآتزوري بهدفين نظيفين.

العجيب أن إيطاليا خسرت أمام كوريا الشمالية بهدفٍ نظيف، فتأهل المنتخب الآسيوي كثاني المجموعة الرابعة بعد الاتحاد السوفيتي.

بدأ ربع النهائي بمباراةٍ مثيرة للغاية بين كوريا الشمالية والبرتغال، تقدمت كوريا في الشوط الأول بثلاثيةٍ نظيفة، ثم عادل إيزيبيو النتيجة، ثم أضاف الهدف الرابع وصنع الخامس بتمريرةٍ نموذجية على رأس أوجستو، فكانت النتيجة النهائية انتصار البرتغال بخمسة أهدافٍ مقابل ثلاثة.

فازت ألمانيا الغربية على أورجواي بسهولةٍ بأربعة أهدافٍ مقابل لاشيء في ثاني مباريات ربع نهائي المونديال، كان منتخب المانشافت قوياً جداً بوجود النجم الشاب فرانز بيكنباور مع المدرب المخضرم هيلموت شون.

هزمت إنجلترا الأرجنتين بهدفٍ نظيف عن طريق جيف هيرست في مباراةٍ مثيرةٍ جداً، شهدت الكثير من الاشتباكات بين اللاعبين، وتعرض فيها قائد منتخب التانجو أنطونيو راتين للطرد.

كان الاتحاد السوفيتي بقيادة ياشين قوياً للغاية، فقد انتصر بهدفين نظيفين على المجر في مباراةٍ تألق فيها العملاق الروسي ياشين، الذي كان مرشحاً بقوة مع إيزيبيو البرتغالي للفوز بجائزة أفضل لاعب في البطولة.

كان مواجهة نصف النهائي بين إنجلترا والبرتغال مثيرةً للغاية، تفوقت إنجلترا بالهدف الأول في الدقيقة 33 بواسطة بوبي تشارلتون، وفي الدقيقة 79 عاد نفس اللاعب وأحرز الهدف الثاني في المباراة التي كرست أسطورته في إنجلترا، ثم سجل إيزيبيو هدفاً في الدقيقة 82، وانتهت المباراة بخروج البرتغال في مشهدٍ حزين جداً للجماهير المحايدة، بينما عمت الفرحة منتخب الأسود الثلاثة الذي أصبح وقتها قريباً جداً من تحقيق إنجاز عز عليهم كثيراً.

صبت التوقعات في المباراة الثانية لياشين ورفاقه، لكن ألمانيا حققت المفاجأة وهزمت الاتحاد السوفيتي بهدفين مقابل هدف، ثم واصل السوفيت السقوط أمام البرتغال في مباراة المركزين الثالث والرابع، وأنهى فريق إيزيبيو مغامرته في المركز الثالث.

حضرت الملكة إليزابيث ملكة بريطاتية نهائي كأس العالم الذي أقيم لأول مرة على ملعب ويمبلي، وبلغ عدد الحضور 100 ألف متفرج.

ضغطت ألمانيا في البداية وسجلت هدفاً عن طريق هالر في الدقيقة 12، وبعد أربعة دقائق تعادل مهاجم وست هام يونايتد جيف هيرست برأسيةٍ من صناعة النجم بوبي مور.

England 1966 World Cup

استمر التعادل  حتى جاء مارتن بيترز وسجل هدف التقدم لإنجلترا في الدقيقة 78 ... كانت عقارب الساعة تشير للدقيقة 90، وكان الجميع في الملعب يتأهب للاحتفال، وفجأة تعادلت ألمانيا عن طريق أولفيرنج ويبر ليخيم الصمت على الملعب، واعتقد الجميع وقتها أن إنجلترا ستخسر لامحالة.

لأول مرة تذهب مباراة نهائية للوقت الإضافي، وفجأة سدد جيف هيرست صاروخية في الدقيقة 98 ارتطمت في العارضة ولم تعبر خط المرمى، أعلن حكم الراية السوفيتي باتشرموف أن الكرة قد تخطت خط المرمى، إنهار منتخب ألمانيا من هدفٍ ظالم تماماً، وبعدها استقبلوا الهدف الرابع بتسديدةٍ يسارية لا تصد ولا ترد من جيف هيرست في الزاوية الضيقة، وكان هذا الهدف الثالث لهيرست، ولم تقم للألمان قائمةُ بعدها.

فاز إيزيبيو بلقب هداف البطولة برصيد 9 أهداف، وشهدت هذه النسخة من المونديال تسجيل 89 هدفاً في 32 مباراة.

عاشت إنجلترا لحظات من السعادة، أثبتوا للعالم أنهم ملوك اللعبة بعد سنواتٍ من سوء الطالع في كأس العالم، وأصبحت كرة القدم مليئة بالنجوم الكبار، ولم تعد لعبة فقط، بل باتت متنفس حقيقي للجميع، حيث بدأت في الانتشار عن طريق الراديو وشاشات التلفاز والجرائد والمجلات، خصوصاً مع ازدياد قوة التنافس بين الأندية والمنتخبات.

يستعد العالم في فترة نهاية الستينيات وبداية السبعينيات لبداية عصر كروي جديد مليء بالمتعة والقوة والتنافس، وهذا ماسنستعرضه في الحلقة المقبلة...

إغلاق