الثلاثيات (3) – عندما تخطى جوارديولا كل حدود المنطق مع برشلونة

التعليقات()
Getty Images
حلقة جديدة من الثلاثيات وهذه المرة مع جيل برشلونة 2009 بقيادة بيب جوارديولا

حسن الخواجة    فيسبوك      تويتر


يُعد تحقيق الثلاثية إنجازًا تاريخيًا من الصعب تكراره أو حدوثه من الأساس، وإن حدث ورأيت فريقك المفضل يحققها فاعتبر نفسك محظوظًا، ولكن تحقيقها مرتين فهو أمر تمكن فقط نادي برشلونة تحقيقه، بل وفي مدة زمنية قصيرة أقل من عقد، وتطلب ذلك الكثير من التخطيط والبناء سنعود بالزمن الي الوراء حتى نكشف أسراره.

لم تكن البداية بتولي بيب جوارديولا تدريب النادي أو وصول ميسي الي اللاماسيا، بل كان يوهان كرويف هو من وضع حجر الأساس.
 
كان ذلك في العقد الأخير من القرن العشرين عندما عاد كرويف إلى برشلونة كمدرب بعد سنوات عديدة من مغادرته كلاعب، ناقلًا معه أفكار الكرة الشاملة التي تطورت في أياكس أمستردام الهولندي على يد المدرب التاريخي رينوس ميتشلز، حيث يقل الاعتماد على المركزية ويشترك الفريق ككل في الضغط والهجوم والدفاع وصناعة الفرص.

قام رينوس ميتشلز بتدريب يوهان كرويف أيضًا في برشلونة في فترته القصيرة كمدرب للنادي والتي استمرت لمدة موسمين، وساهم في صقل أفكار كرويف ونقل أسلوب اللعب الشهير بـ "الكرة الشاملة" إليه، وتأثر به يوهان كرويف وبمدرسة أياكس لكرة القدم حيث طلب من إدارة برشلونة تأسيس مدرسة مماثلة ووافقت الادارة وتم بدء العمل عليها، والتي عرفت فيما بعد ب "اللاماسيا".

Seydou Keita Lionel Messi Barcelona Zaragoza 10252009

اللاماسيا هي مدرسة لكرة القدم حيث يتم تدريب اللاعبين من سن صغير وغرس مبادئ كرة القدم الجديدة بها بدلًا من التعاقد مع لاعبين أجانب، وكانت اللاماسيا هي محل إقامة اللاعبين الصغار الأجانب، وفي عام 1988 عاد يوهان كرويف مرة أخرى الي برشلونة ولكن كمدرب هذه المره ليبدأ في إحداث  ثورة في كل شئ، ويحقق لقب الدوري الإسباني 4 مرات متتالية في انجاز غير مسبوق، إلى جانب تحقيق دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخ النادي بفريق تم تسميته وقتها بفريق الاحلام، في فترة تدريبية استمرت 8 سنوات، أعادت تلك الفترة برشلونة إلي الواجهة الأوروبية مرة أخرى كواحدٍ من كبار القارة.

ولكن شملت فترة كرويف التدريبية العديد من الصعاب والانكسارات أيضًا، لعل أبرزها كان الخسارة في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 1994 ضد ميلان الايطالي برباعية نظيفة، وكذلك الخلافات مع إدارة نادي برشلونة، والتي انتهت برحيل المدرب الهولندي.

غاب برشلونة عن التتويج بالليجا حتى وصول مدرب آخر من مدرسة أياكس أمستردام، ليتوج برشلونة بالليجا عامي 98 و99 مع المدرب لويس فان خال، وهو أحد أهم المطورين للاماسيا، حيث قام فان خال بحصد البطولات مع برشلونة بفريق يكون قوامه الأساسي بأكمله من اللاماسيا، واعتبر البعض هذا الأمر مستحيلًا، ولكن لم تدعم نتائج الفريق في الفترة بين عامي 2000 و2004 هذه الفكرة، حيث حقق الليجا فرق أقل شأنا من برشلونة تاريخيًا مثل فريق ديبورتيفو لاكرونيا وفالنسيا، وغاب برشلونة عن المشهد واحيانا عن المشاركة في دوري الأبطال أيضًا، حتى وصل الساحر البرازيلي إلي برشلونة، وهو الاسطورة رونالدينيو.

تواجد رونالدينهو مع ديكو وصامويل ايتو وخريجين اللاماسيا مثل تشافي هيرنانديز وكارلوس بويول، وشهدت هذه الفترة بداية ظهور اندريس انيستا وليونيل ميسي، ليتوج برشلونة للمرة الثانية في تاريخه بدوري أبطال أوروبا عام 2006، كما حقق الليجا في ذات الموسم.

Barcelona Champions League 2009

ثم تم تصعيد المدرب العنيد والمثير للجدل بيب جوارديولا  لقيادة الفريق الأول، مع فريق يمثل قوامه الاساسي خريجين أكاديمية كرة القدم ببرشلونة وتعاقدات تناسب الأسلوب الجديد مثل البرازيلي داني الفيش وديفيد فيا الذي انضم فيما بعد، واستغنى عن العديد من الحرس القديم الذي شارك في إنجاز 2006، وتحدي بيب الكل وجمع الفريق بين العمل الذي قام به رينوس ميتشلز ويوهان كرويف ولويس فان خال، وأضاف بيب جوارديولا الجزء الأخير من الأحجية التي هيمنت وسيطرت على أوروبا، وامتد تأثيرها للمنتخب الإسباني في البطولات الدولية، وغيرت مفاهيم كرة القدم ربما إلي الأبد.

الضغط العالي المبكر والمستمر طوال المباراة، مع الاستحواذ على الكرة ومنع الخصم من صناعة الفرص، والتمرير المستمر بهدف تحريك الخصم والبحث عن الأهداف وصناعة الفرص بمشاركة الفريق كوحدة واحدة تبدأ من حارس المرمى، كان ذلك أشهر ما يميز فريق المدرب بيب جوارديولا.

وقد كان الإنجاز الكبير بتحقيق برشلونة الثلاثية لأول مرة في تاريخ فرق الليجا عام 2009 كنتيجة لعمل تاريخي وتخطيط قديم، وختم العقد الاول من القرن الـ 21 كبطل لليجا 5 مرات من أصل 10، وحقق دوري الابطال مرتين، ليبدأ برشلونة العقد الثاني من القرن الـ21 كبطل لدوري أبطال أوروبا 2011 بعد الخروج المدوي ضد انترميلان الايطالي في نسخة 2010 التاريخية.

2009 Gerard Pique Real Madrid Barcelona

ولكن كالعادة يعود الخلاف من جديد، ولأن التغيير كان لا بد منه، رحل بيب جوارديولا عن الفريق وبدأ برشلونة بالخروج من دائرة المرشحين للفوز بدوري الأبطال حتى عاد الإسباني لويس انريكي مرة أخري إلى برشلونة كمدرب، وبالتعاقد مع بعض الإضافات القوية للفريق الأول من خارج اللاماسيا مثل نيمار وسواريز، ليشكلوا خط هجوم ناري يقوده ليونيل ميسي، ليقدم الثلاثي الرهيب موسمًا للتاريخ حقق فيه البارسا الثلاثية الثانية في تاريخه، ليصبح الفريق الأول الذي يحقق هذا الإنجاز، وفي مدة لا تتجاوز 6 اعوام.

بعض مشجعي الفرق الأخرى أفنوا عمرهم في حب فرقهم المفضلة ولم يحققوها مرة واحدة، لكن مشجعي البارسا فقط هم من شهدوا تتويج فريقهم بالثلاثية مرتين في مدة زمنيه قصيرة.

التخطيط والاعتماد على العلم وغرس قيم النادي والروح الانتصارية في الشباب ودعمهم بالتعاقدات الذكية كان سلاح البارسا الفعّال لتحقيق الفوز، وكلما ابتعد عنه الفريق أو ظهرت المشاكل الإدارية تختفي الانجازات أو تقل، أمر يحاول برشلونة العودة إليه حاليا واستغلال ما تبقى من عمر ميسي الكروي.

تحقق حلم فان خال وضم فريق برشلونة ثمانية لاعبين من القوام الأساسي الذي تمكن من رفع ذات الأذنين مع النجوم المنتدبين في سوق الانتقالات، وفي عام 2010 كان الثلاثي المرشح لجائزة الكرة الذهبية جميعهم من خريجي اللاماسيا، لأن البعض لا يكتفي بتحقيق إنجاز فريد وتاريخي مرة واحدة فقط واحدة بل مرتين.

إغلاق