الأخبار النتائج المباشرة
مقالات الرأي

الاحتفال و"التحفيل" .. وجهان لعملة واحدة، ولكن!

12:17 م غرينتش+2 22‏/2‏/2020
الأهلي والزمالك السوبر المصري
مقال يُعبر عن وجهة نظر الكاتب

أثارت مباراة السوبر المصري بين الأهلي والزمالك الكثير من الجدل في الشارع والإعلام الرياضي في مصر والوطن العربي، نظرًا للأحداث الكثيرة التي شهدها ملعب محمد بن زايد خلال وبعد اللقاء.

الأهلي كان الطرف الأفضل خلال المباراة لكن الزمالك كان الفريق المُتوج باللقب في النهاية بركلات الجزاء الترجيحية، وقد احتفل لاعبوه وجماهيره بقوة عقب المباراة مقابل غضب وحسرة من جمهور ونجوم الفريق الأحمر.

محمد فضل : من أخطأ في السوبر المصري سيُعاقب ولا أحد فوق القانون

احتفال الجمهور الأبيض باللقب مستحق تمامًا، ولا يحق لأحد أن يُصادره أو يتحدث بشأنه سوى من باب المزاح، لكن أي جمهور كروي من حقه تمامًا الاحتفال بالفوز والتتويج مثلما شاء مادام ضمن الحدود المسموحة.

الاحتفال في كرة القدم باعتقادي لا يبتعد أبدًا عن المناوشات الجماهيرية أو ما يُطلق عليه مؤخرًا في الثقافة المصرية "التحفيل"، هما وجهان لعملة واحدة منذ القدم وسيستمران كذلك لكن بدرجات متفاوتة.

لا يُمكن لجمهور أن يحتفل بإنجازه دون الانتقاص من المنافس أو استفزازه أو السخرية منه، هذا في النهاية جزء من كرة القدم التي ليست بالمناسبة المدينة الفاضلة، بل هي جزء من الحياة بكل ما تحمله من إيجابيات وسلبيات وثقافات وعقليات.

التحفيل موجود في ثقافة الجماهير الكروية، وكذلك تبادل الاستفزازات والمناوشات والشتائم خلال المباريات، كل هذا موجود بدرجات مختلفة ... البعض يتطرف إلى حد العنف الجسدي وهناك العنصرية بناءً على الدين أو اللون أو الأصل، وهناك الشتائم الخارجة، وهناك الشتائم العادية المتداولة شعبيًا، وهناك مجرد السخرية والتقليل من المنافس وغيرها من ثقافات المشجعين.

ويؤثر في هذا الأمر عوامل عديدة، منها ثقافة المجتمع نفسه وعقليات الناس داخله والذين هم الدائرة الكبيرة التي تضم مشجعي كرة القدم، وهناك كذلك الحدود المتاحة من السلطات المسؤولة وعواقب الأفعال وعقوباتها.

والعامل الأخير يلعب دورًا مؤثرًا جدًا، رأينا هذا التأثير في كرة القدم الإنجليزية وكيف تغيرت سلوكيات المشجعين داخل الملاعب بعد إقرار القوانين والعقوبات الرادعة للمخالفين، وكيف يستعيد هذا الجمهور شغفه وعنفه مجرد الخروج من إنجلترا مثلما حدث في تركيا من جمهور ليدز يونايتد ومن الجمهور الإنجليزي في بلجيكا خلال اليورو.

في النهاية هذا جزء من كرة القدم، جزء من ثقافة التشجيع في كرة القدم، ولا أظن شخصيًا أن له علاقة كبيرة بالأخلاق العامة أو حتى أخلاق المشجعين خارج المدرج.

في المدرج هناك الطبيب والمهندس والأستاذ والأشخاص أصحاب المستوى الممتاز من التعليم والوعي والثقافة، لكنهم يتحولون في المدرج لمجرد مشجعين تحركهم أقوى عاطفة في الدنيا، عاطفة تشجيع فريق كرة قدم، وهذا شيء لن يدركه جيدًا سوى المشجع الذي تواجد في المدرجات وهتف من قلبه وطار فرحًا بهدف وبكى حسرة على فرصة.

هنا يتحول كل من سبق إلى مشجع يهتف لتحية فريقه أحيانًا وشتم المنافس بأسوأ الألفاظ أحيانًا أخرى، وقد يتطور الأمر لو سُمح له، لكن هذا المشجع نفسه يعود لحالته الطبيعية والأخلاقية السوية جدًا مع انتهاء تلك الحالة العاطفية وخروجه من المدرج، سواء كان فرحًا بانتصار أو حزينًا لخسارة.

لكن ....

لكن كل ما سبق كان خاصًا بالمشجعين، الذين يدفعون ثمن حبهم وانتمائهم غاليًا.

الأمر مختلف تمامًا عن الحديث عن اللاعبين والمدربين والإداريين وأصحاب المناصب المسؤولة، هنا خرج كل هؤلاء من حالة المشجع لحالة أكثر احترافية والمفترض أن تكون أكثر عقلانية وانضباطًا.

هنا لا أتحدث عن استفزاز بعض اللاعبين المعتاد للجماهير، أو ردود فعلهم تجاه استفزاز الجماهير لهم أو شتمهم، لأن هذا باعتقادي يدخل ضمن دائرة المقبول كذلك، لأن اللاعب في النهاية كائن بشري عاطفي يتأثر ويُظهر رد فعل .... لكن المهم أن يكون رد الفعل هذا ضمن المتاح والحدود المسموح له بها، وأعود هنا للحديث عن العواقب والعقوبات وتلك تلعب دورًا أكبر كثيرًا هنا لضبط سلوكيات وتصرفات وردود فعل اللاعبين والمسؤولين.

بناءً على هذا أرى ما فعله عبد الله جمعة مقبول تمامًا ولا يمكن إنكاره على لاعب الزمالك والسعادة به من لاعب الأهلي، أو العكس!

ما فعله عبد الله جمعة سواء كان فعل أو رد فعل يندرج تحت بند الاستفزاز والمناوشات، لكن ما فعله شيكابالا يندرج تحت بند القذارة وما فعله إمام عاشور يندرج تحت بند البلطجة.

عبد الله جمعة لم يخرج عن النص أبدًا، ناوش واستفز جمهور الأهلي مثلما فعل ويفعل العديد من اللاعبين بإشارات الصمت أو غيرها عند احتفالهم بالأهداف، أو مثلما فعل رمضان صبحي بالوقوف على الكرة، وجميعنا كمشجعي كرة قدم نفرح بتلك الأفعال جدًا حين تكون من لاعبينا ونغضب جدًا حين تكون من المنافسين ... تلك طبيعتنا في النهاية، ولكن علينا جميعًا قبول هذا الأمر لنا وعلينا ولأنه جزء من تلك اللعبة .. جزء من الاحتفال والتحفيل.

إنما ما فعله شيكابالا لا يندرج تحت هذا البند أبدًا، بل هو فعل قذر ومشين يرفضه المجتمع تمامًا سواء داخل أو خارج الملعب والمدرج، سواء كان فعل أو رد فعل، سواء كان عفويًا أو مقصودًا.

أطياف عديدة من المجتمع الغربي رفضت هذا التصرف حين صدر من دييجو سيميوني وكريستيانو رونالدو، ما بالك حين يحدث في مصر على أرض الإمارات! خاصة أن ما فعله قد ينشر ثقافة جديدة في المجتمع بشكل عام وليس مجرد مشجعي كرة القدم.

ومن يُبيح هذا التصرف عليه أن يتخيل فقط ابن يسأل والده عما فعله نجمه المفضل أمام جماهير الأهلي؟ يتخيل طفل يُقلده أمام أصحابه من جماهير الفريق الأحمر، وبعد فترة ستنتقل الصورة في الاتجاه المعاكس.

البعض قد يقول هنا أن الأمر ينطبق على الشتائم حين يستمع لها الأطفال ... لنكن واقعيين، تلك الشتائم وللأسف أصبحت جزءً من الحديث اليومي عند جل الشعب العربي، وأصبح من الصعب جدًا إبعادها عن آذان أطفالنا.

الأمر ذاته ينطبق على إمام عاشور وما فعله مع وليد سليمان، هو بلطجة واعتداء مرفوض منه ومن أي لاعب قام به سابقًا أو سيقوم به لاحقًا، ومرفوض لو قام به كهربا، هو مرفوض تمامًا من المجتمع ومشجعي كرة القدم وقد يكون له عواقب وخيمة إن لم يجد رد الفعل المناسب.

رد الفعل يجب أن يكون رادعًا تجاه شيكابالا تحديدًا وكذلك إمام عاشور، حتى يُفكر أي لاعب 100 مرة قبل تكرار تلك السلوكيات، وإلا المستقبل سيكون كارثيًا.

هل لنا أن نتخيل مثلًا قرارًا يصدر من الإمارات بعدم استقبال اللاعب شيكابالا مجددًا على ملاعبها، هل يُمكن هنا أن يُكرر أي لاعب آخر ذلك السلوك هناك؟ مستحيل.