أنا زلاتان (44) | فيلم الرعب

كتب | أحمد عفيفي

Ibrahimovic, Inter (Foto Grazia Neri)
في الحلقة الماضية من كتاب أنا زلاتان وصلنا معكم إلى نهاية الفصل الثامن عشر و الذي تحدث فيه عن زلاتان إبراهيموفيتش عن مشاكله مع إصابة الركبة و تدهور أوضاع الإنتر في مرحلة إياب موسم 2007-08، و في حلقة اليوم سنقدم لكم استعراضًا كاملًا للفصل التاسع عشر و الذي سيكمل فيه نجم نجوم الميلان الحديث عن ذلك الموسم في السيري آ و تحديدًا عن المباراة الأخيرة في الدوري الإيطالي للأفاعي أمام بارما و فيلم الرعب الذي عاشه إبرا كادابرا و رفاقه حتى اللحظات الأخيرة ..


الفصل التاسع عشر | فيلم الرعب

أحيانًا تتبقى بعض الفضلات على الحائط، يمكنك أن تجد ذكريات مسمومة في جميع الأندية، مثل ذكريات الإنتر طيلة التسعينيات. فرغم أن الفريق امتلك رونالدو، لكنه لم يمتكن من الفوز بالدوري و لو لمرة واحدة و كان النادي يسقط دائمًا عند خط النهاية. في موسم 1997-98 على سبيل المثال، و حينها كنت في عامي الـ 16 أو الـ 17، لم أكن أعرف أي شيء عن رافيلِّي أو غيره من نجوم السويد على الإطلاق، لكنني كنت قادرًا على متابعة الإنتر من أجل رونالدو و قد درست خدعه و انطلاقاته.

بالتأكيد كان هناك الكثيرون آنذاك في فريقي يقومون بالحركات ذاتها، لكن لا أحد كان يجيدها بطلاقة مثلي. لم أكن أفوت أي تفصيلة، و ربما بدونه كنت لأصبح لاعبًا مختلفًا، على الأقل هذا ما أعتقده رغم أنني لست الشخص الذي يتأثر بغيره بسهولة. لقد التقيت بجميع الأنواع من البشر و قد جلست رفقة ملك السويد لتناول العشاء في برشلونة، و حسنًا، ربما كنت أفكر في "هل أقول له أنت أم جلالتك؟"، لكن على أي حال فقد مر ذلك الموقف مرور الكرام، لكن بالنسبة لرونالدو كان الوضع مختلفًا.


حين كنت مع الإنتر لعبت ضد الميلان، و هناك فيديو على اليوتيوب لي حين كنت أمضغ العلكة و أنظر فقط إليه و كأنني لم أصدق أنني و هو متواجدون على نفس الملعب. لقد كان له ثقله في الميدان و كان ذا عين حريصة على المباراة و كانت قيمته تظهر في كل حركة. في موسم 1997-98 كان هو و الإنتر رائعين و قد فازا بكأس الاتِّحاد الأوروبي و سجل رونالدو 25 هدفًا و اختير للعام الثاني على التوالي أفضل لاعب في العالم. لقد سيطروا على السيري آ لكنهم خسروا اللقب في بداية الربيع، تمامًا مثل ما خشينا مواجهته أمام بارما.

شاهد تلك اللقطة في ديربي ميلانو (في إياب السيري آ موسم 2006-07)

كان حظ الإنتر سيئًا و كانت هناك مشاكل و هراء، و قد لعب الفريق مباراة كلاسيكية في ملعب ديلِّي ألبي ضد اليوفنتوس في ربيع 1998 و كانت الفارق نقطة واحدة أو نقطتين. كانت المباراة تمامًا كنهائي السيري آ و عمت إثارة غير معقولة أجواء اللقاء. انطلق رونالدو بالكرة في الجهة اليُسرى داخل منطقة الجزاء، لكنه أوقف بوحشية و صرخ الملعب بأكمله. المشجعون كانوا مجانين و الملعب كاد ينفجر، لكن الحكم لم يصفر على الإطلاق بل ترك المباراة تمضي و فاز اليوفنتوس بنتيجة 1-0 و بلقب الدوري. تلك اللقطة في أعين الجميع هي من حددت مصير البطولة.

شاهد ملخص قمة اسكوديتُّو 1998 بين يوفنتوس - إنتر و ركلة الجزاء التي لم يحتسبها الحكم لرونالدو
  
شاهد فيديو آخر لجميع لمسات رونالدو في تلك المباراة


لقد كانت لحظة الإنتر الشريرة و كان لا يزال هناك حديث عنها، و رغم أنها كانت واضحة كبريق الكريستال لا حدث شيء بشأنها، فعم الغضب و الاحتجاج في جميع أنحاء إيطاليا و انتشرت أقاويل عن وجود رشاوى قدمت لذلك الحكم، أو أن جميع الحكام كانوا مرتشين و فاسدين و أغبياء في المجمل. بالطبع كان لدى الأعضاء القدامى في النادي ذكريات حية عن مثل تلك الأحداث خاصة أنها حدثت عدة مرات مع النادي. قبل أعوام كان الاسكوديتُّو بين أيديهم لكنه خسروا في الجولة الأخيرة في مباراة وحشية ضد لاتسيو (بنتيجة 4-2 في موسم 2001-02) و في الموسم التالي أصيب رونالدو ببشاعة ثم ذهبوا للجحيم، و كأن الفريق خسر محركه و وقوده، فأنهى الإنتر الموسم في المركز الثامن، كأسوأ ترتيب له على الإطلاق حسب ما أعتقد. لكن الآن لا أحد تحدث عن تلك القصة، لا أحد أراد جلب الشؤم إلى أجواء الفريق.

لكن الكثيرون فكروا في ذلك قبل قبل مباراة بارما و كانت هناك شكوك، فالناس تذكروا و جن جنونهم "كيف لماتيرادزي أن يضيع تلك الركلة؟" .. لقد كانت هناك عدة فرص لحسم لقب الدوري لكن زملائي فشلوا في كل مرة. كانت هناك أشياء غريبة تحدث لنا طيلة الوقت كسوء الحظ على سبيل المثال، كان هناك كل أنواع الهراء قبل المباراة ضد بارما، و كان الجميع مستعدون لفعل أي شيء إلا أن ذلك في حد ذاته كان مشكلة فالضغط كان ليصبح كبيرًا للغاية عليهم و كان من الممكن أن يقيدنا، كما قامت إدارة النادي بمنعنا من التحدث مع وسائل الإعلام لكي نحظى بتركيز كامل. أيضًا مانشيني، الذي كان يعتقد مؤتمرات صحفية قبل المباريات، ظل صامتًا.

الوحيد الذي تحدث كان موراتِّي. لقد أتى إلى فندقنا عشية اللقاء و لم يقل شيئًا للمراسلين سوى "تمنوا لنا حظًا موفقًا، نحن بحاجة لذلك". الأمر لم يكن أسهل على بارما الذي أراد خطف الفوز للبقاء في دوري الدرجة الأولى. كانت هناك تلك الجدية المميتة من الفريق المنافس مثلنا. لم يكن بمقدورنا أن نحصل على أي شيء بالمجان و مباشرة قبل أن نذهب إلى الملعب جاءت الأخبار بأننا لا نتمتع بدعم مشجعينا. لقد كان أمرًا عادلًا فمشجعي روما لم يتمكنوا من السفر مع فريقهم إلى كاتانيا لأسباب أمنية و لذا لم نكن قادرين على أن نحظى بوجود مشجعينا في بارما. فيما بعد استطاعت فئة قليلة الدخول إلى الملعب.

كل شيء تم مناقشته و تغطيته، و أتذكر مانشيني حين علم أن جيانلوكا روكِّي هو من سيحكم المباراة، فانفعل قائلًا "ذلك الشيطان دائمًا يسبب لنا الهراء". السماء كانت ملبدة بالغيوم الداكنة اللون و  بدت أنها ستمطر، و قد بدأت على دكة البدلاء. لم أكن قد لعبت منذ مدة طويلة و مانشيني بدأ ببالوتيلِّي و كروز في الهجوم، "لكن كن مستعدًا، كن جاهزًا للمشاركة" هذا ما قاله لي، و قد أومأت برأسي. لقد كنَّا جميعًا نجلس على الدكة تحت سقف صغير و سمعنا أولى قطرات المطر تنزل على الملعب، و سرعان ما انهرمت بقوة و بدأت المباراة و هتف المشجعون ضدنا. كان ضغطًا رهيبًا و قد سيطرنا على مجريات المباراة، الفريق ضغط بقوة و كروز و مايكون حصلا على فرص مذهلة للتسجيل، لكنهما لم يفلحا. بدا وضعًا ميئوسًا منه و نحن على دكة البدلاء كنا نتابع المباراة و كأننا على حافة الهاوية. طيلة الوقت كنا نصرخ و نلعن و نأمل و نتحسر، لكن في كل لحظة كنَّا ننظر على الشاشة الالكترونية في الملعب.

الأمر لم يكن متعلقًا بقتالنا نحن فقط، بل كان ذلك متعلقًا بروما و كانت النتيجة في كاتانيا التعادل السلبي أيضًا، و لذا كنَّا هادئين و أقرب للفوز بالاسكويدتُّو. لكن فجأة أنارت اللوحة الالكترونية و قفز الفريق بأكمله "بالله عليكم لا تقولوا أنه هدف لروما! ذلك سيكون وحشيًا للغاية". لا يمكن أن تتصدر الدوري طيلة العام ثم تخسره في الثواني الأخيرة، يجب ألَّا يحدث ذلك. لكن بالفعل روما تقدم بهدف دون رد على كاتانيا و فجأة أصبحنا في المركز الثاني في جدول الترتيب. شعرت أن ذلك ليس حقيقيًا و أصبحت أنظر في كل مكان دكة البدلاء: إلى أخصائيي العلاج الطبيعي، الأطباء، حاملي الأمتعة و إلى كل من حضروا لعنة التسعينيات، و قد تذكروها و أصبحت وجوههم شاحبة اللون "هل ذلك على وشك الحدوث مجددًا؟ هل عادت اللعنة القديمة؟"

لم يسبق أن رأيت مثل ذلك المشهد من قبل. هربت الألوان من وجوههم و شعرت بذلك حتى على أرض الملعب. نحن نتحدث عن ذعر كامل، لا شيء آخر، و كأن ذلك ليس حقيقيًا، لقد كان شيئًا فظيعًا، كارثة حقيقية، و ظلت الأمطار تهطل و تنهمر و كان مشجعو بارما يصيحون بفرحة كبيرة. النتيجة كانت في مصلحتهم بسبب خسارة كاتانيا لكي يبقى بارما في الدوري، لكن بالنسبة لنا شعرنا و كأنه الموت نفسه و أصبح اللاعبون متوترين بشكل متزايد. لقد رأيت ذلك فيهم و كأن الصلبان كانت على ظهورهم بفعل تلك اللعنة، بينما أنا لا يمكنني قول أنني كنت في نفس حالتهم، فعلى أي حال كنت قد فزت بثلاثة ألقاب للاسكوديتُّو و لم أمر بتجربة اللعنة القديمة. لقد كنت صغيرًا على تلك اللعنة، و لذا مع مرور كل دقيقة بدأت أصبح أكثر تركيزًا.

بدا الأمر و كأن جسدي يحترق، لقد كنت في أتم الاستعداد لتحويل آلامي بقدر ما هي لدي إلى شيء مختلف و قد رفضت تقبل أي شيء آخر، و في نهاية الشوط الأول حين كانت النتيجة 0-0 أصبح روما هو المستفيد. تلقيت الأوامر للإحماء، و أتذكر ذلك جيدًا.. الكل كان ينظر إلي: مانشيني، ميهايلوفيتش جميعهم، الكل كان ينظر إلي و قد رأيت ذلك في أعينهم ،، إنهم يعولون علي .. كم كان ذلك ظاهرًا في أعينهم التي حدقت مرارًا و تكرارًا بي، و كان مستحيلًا ألَّا أشعر بالضغط .. لقد قالوا لي واحدًا تلو الآخر "افعلها لأجلنا" و رددت قائلًا "سأفعل، سأفعل!" ..

في الحلقة القادمة

حينها وقعت على عقد مع شركة نايكي و قد قام مينو بعمل جيد في ذلك العقد. كنا نصور بعد الإعلانات و لعلكم تذكرون ذلك الإعلان الذي كنت ألعب بالعلكة و كأنها كرة ثم أعيدها إلى فمي .. كان العمل معهم رائعًا دومًا، حتى حدثت بيننا تلك المشكلة

لقد راقبني طيلة اللقاء و كان مدافعًا موهوبًا بشعر طويل كذيل الحصان، حتى أصبحت في كل مرة أتحرك فيها أجد شعره على وجهي و
أحيانًا في فمي. لقد قيدني طيلة الوقت، لكنه كان بحاجة لراحة لبضع ثواني، بينما أنا لا!

انجذبت إليه على الفور، حتى قبل أن أتقيه .. ذلك هو الشخص الذي جعلني لا أتردد في الموت من أجله !!
لكنني لم أشارك في بداية الشوط الثاني، بل تطلب الأمر ست دقائق حتى أدخل إلى أرض الملعب. العشب كان مبللًا و كان من الصعب أن أركض خاصة أنني لم أتدرب بما فيه الكفاية، كما أن الضغط كان كبيرًا بسخافة. لكن على أي حال لم يسبق لي أن شعرت بالضيق من وضع مشابه في حياتي، و أتذكر أنني حاولت على الفور التسديد من المنتصف على حدود منطقة الجزاء، لكنني لم أفلح في إصابة المرمى. بعد عدة دقائق حاولت مجددًا و أضغت الفرصة. كنت في نفس الحالة مرارًا و تكرارًا دون أن أجني أي شيء، و في الدقيقة 62 حدث ذلك مجددًا، حصلت على الكرة في نفس المكان و كان ديان ستانكوفيتش هو من مرر الكرة لي و قد تخطيت لاعبًا ألقى بنفسه علي و ركضت باتجاه الهدف، و في كل مرة كنت أدفع فيها الكرة للأمام كان يتدفق تيار مائي للأعلى، لكنني رأيت فرصة و سددت الكرة.

لم تكن التسديدة قوية على الإطلاق، بل كانت تسديدة أرضية و قد ذهبت إلى القائم الأيسر ثم دخلت المرمى، و عوضًا عن الاحتفال بقوة فقط أوقفت نفسي و انتظرت حتى وصل الجميع سواء في الملعب أو على الدكة. أول الواصلين كان باتريك فييرا كما أذكر، ثم بالوتيلِّي ثم بقية المجموعة من حاملين للأمتعة و معدات و أمناء المخازن، كل واحد فيهم، كل أولئك الذين نظروا إلي و نظرت إليهم .. "الرعب زال" ،، أما ديان ستانكوفيتش فقد ألقى بنفسه على العشب المبلل و كأنه كان يصلي و يشكر الآلهة. لقد كانت لحظة هستيرية و هناك في أعلى المدرجات وجهت التحية لماسِّيمو موراتِّي الذي كان و كأنه يرقص في المنصة الشرفية، و قد شعرت بذلك في كل مكان، في كل أنحاء النادي، في كل واحد من أعضاء الفريق "لقد سقط حجر من قلوبهم". استعاد الناس ألوان وجوههم و كان ذلك أكثر من مجرد هدف و كأنني أنقذتهم من الغرق، و قد رأيت المشجعين و وجدت بعض التشجيع يخرج من بين هتافات الاستهجان التي انتهالت علينا، لذا قمت بحركة رفع يدي و وضعها بجانب على أذني من الخلف و كأنني أقول "لا أسمعكم". ازدادت الهتافات أكثر ثم أكملنا اللقاء حين هدأ كل شيء أخيرًا.

لم يكن شيئًا قد حُسِم بعد، فقط هدف واحد من بارما و نعود إلى ما كنَّا عليه، فعاد التوتر و الخوف القديم. قطعًا لم يكن الوضع مثلما كان عليه في البداية لكن لا أحد تجرأ على تنفس الصعداء، فأشياء أسوأ مما عرفوه حدثت في كرة القدم، لكن في الدقيقة الـ 78 انطلق مايكون من اليمين و مر من لاعب، اثنين و ثلاثة ثم أرسل كرة عرضية، فانطلقت باتجاهها و وصلت بقدمي إلى الكرة و سددت كرة شبه طائرة في المرمى، و يمكنكم أن تتخيلوا. لقد مر شهرين كتب خلالها الصحفيين كل أنواع الهراء عني و عن الفريق. لقد قيل أننا الإنتر خسر نزعة الفوز و أن كل شيء على وشك أن يفلت منَّا و أنني لست بطلًا حقيقيًا كتوتِّي و دل بييرو، أو أنني لم أكن جيدًا حين كنت كذلك. لكن الآن أظهرت لهم من أنا، و احتفلت بالانزلاق بركبتاي على العشب المبلل و انتظار الجميع ليلحق بي من جديد، ثم سقطت على الأرض بكامل جسدي .. كان ذلك رائعًا. لم ننتظر كثيرًا، انتهى اللقاء و أصبح الاسكوديتُّو لنا.

شاهد هدفي زلاتان إبراهيموفيتش

شاهد ملخص مباراة فيلم الرعب .. إنتر - بارما


الإنتر لم يفز به منذ 17 عامًا، لقد كانت مدة طويلة و ثقيلة مليئة بالمعان
اة و سوء الحظ و القذارة. لكنني وصلت و الآن فزنا بالدوري لعامين متتاليين، فانتشرت الفوضى في كل مكان. اقتحم الجميع أرض الملعب و انقضوا علينا، و غرفة تغيير الملابس كانت مليئة بالصراخ و قد قفز الجميع، لكن كان هناك أيضًا من التزموا الصمت. مانشيني دخل علينا و في الواقع هو لو يكن محبوبًا نوعًأ ما، خاصة حين قال أنه أراد الرحيل عن النادي و لم ينجح في دوري الأبطال، لكنه الآن فاز بلقب الدوري و اللاعبون وصلوا واحدًا تلو الآخر في موقف مهيب و أخذوا بيده و قالوا "شكرًا لك، لقد جلبت لنا ذلك النصر"، لكن تلك الخطوة كان يدين بها مانشيني، فبعد كل هذه الأفراح بالانتصار و كل الأمنيات بالتوفيق، أليس لديه أي شكر يوجهه لي؟. توجه مانشيني إلي و قلت له "هيا قلها"، فضحك الجميع. بعد ذلك كنت أتحدث للمراسلين الذين سألوني عدد من الأسئلة من بينها:

المراسلين: إلى من تهدي هذا الانتصار؟
إبرا: إليكم، للإعلام، لكل من شكك بي نشر تلك السخافات و إلى الإنتر

هكذا أقوم بكل شيء، لقد فكرت دائمًا في الانتقام و في روسينجراد ذلك ما دفعني لكل شيء، و لا أنسى ما قاله موراتِّي للإعلام "كل إيطاليا كان ضدنا، لكن زلاتان إبراهيموفيتش كان رمزًا لكفاحنا". تم اختياري كأفضل لاعب في السيري آ ذلك العام و لم يمضِ الكثير من الوقت حتى خرجت قصص أنني ربما كنت صاحب أعلى أجر في العالم للاعب كرة القدم، فأصبحت الأمور جنونية و كنت بالكاد أستطيع الخروج و أينما كنت أذهب كنت أجد الفوضى من حولي. الكل ظنوا بالطبع أنني تفاوضت على عقدي بعد المباراة ضد بارما، لكن الاتفاق تم قبل سبعة أو ثمانية أشهر من ذلك، و قلت لنفسي "يا إلهي، موراتي بالكاد كان ليندم على ما فعله الآن، على الأقل ليس بعد تلك النهاية"، و شعرت أن الحياة تغيرت مجددًا. انقشعت الغيوم و الآن علي أن أكون حرًا.

لكن بالطبع كان لا يزال هناك داعٍ لبعض القلق. لقد أيقنت ذلك مباشرة بعد مباراة بارما: ركبتي تورمت مجددًا. لم أكن في صحة جيدة على الإطلاق و أعتقد أن ذلك كان كالصدمة للكثيرين حين أجبرت على الغياب عن نهائي كأس إيطاليا و كان أمرًا حزينًا بالتأكيد. كانت لدينا فرصة تحقيق الثنائية، و العودة إلى الديار بلقبي الكأس و الدوري. لكن من دوني انتقم روما في النهائي، و كانت بطولة اليورو على الأبواب و لم تكن لدي أي فكرة عن إذا ما كانت ركبتي ستتحمل أم لا. لقد تحاملت على نفسي كثيرًا ذلك الموسم و ربما كان علي أن أدفع الثمن.



إلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية الفصل التاسع عشر ،، انتظرونا في الحلقة القادمة غدًا مع الفصل العشرين حيث سيتحدث عن مغامرته الثانية في اليورو و يمهد لإلقاء الضوء عن ذلك الشخص الذي كان ليموت من أجله ..


 

أحيانًا تتبقى بعض الفضلات على الحائط، يمكنك أن تجد ذكريات مسمومة في جميع الأندية، مثل ذكريات الإنتر طيلة التسعينيات. فرغم أن الفريق امتلك رونالدو، لكنه لم يمتكن من الفوز بالدوري و لو لمرة واحدة و كان النادي يسقط دائمًا عند خط النهاية. في موسم 1997-98 على سبيل المثال، و حينها كنت في عامي الـ 16 أو الـ 17، لم أكن أعرف أي شيء عن رافيلِّي أو غيره من نجوم السويد على الإطلاق، لكنني كنت قادرًا على متابعة الإنتر من أجل رونالدو و قد درست خدعه و انطلاقاته.

 

بالتأكيد كان هناك الكثيرون آنذاك في فريقي يقومون بالحركات ذاتها، لكن لا أحد كان يجيدها بطلاقة مثلي. لم أكن أفوت أي تفصيلة، و ربما بدونه كنت لأصبح لاعبًا مختلفًا، على الأقل هذا ما أعتقده رغم أنني لست الشخص الذي يتأثر بغيره بسهولة. لقد التقيت بجميع الأنواع من البشر و قد جلست رفقة ملك السويد لتناول العشاء في برشلونة، و حسنًا، ربما كنت أفكر في "هل أقول له أنت أم جلالتك؟"، لكن على أي حال فقد مر ذلك الموقف مرور الكرام، لكن بالنسبة لرونالدو كان الوضع مختلفًا.

 

حين كنت مع الإنتر لعبت ضد الميلان، و هناك فيديو على اليوتيوب لي حين كنت أمضغ العلكة و أنظر فقط إليه و كأنني لم أصدق أنني و هو متواجدون على نفس الملعب. لقد كان له ثقله في الميدان و كان ذا عين حريصة على المباراة و كانت قيمته تظهر في كل حركة. في موسم 1997-98 كان هو و الإنتر رائعين و قد فازا بكأس الاتِّحاد الأوروبي و سجل رونالدو 25 هدفًا و اختير للعام الثاني على التوالي أفضل لاعب في العالم. لقد سيطروا على السيري آ لكنهم خسروا اللقب في بداية الربيع، تمامًا مثل ما خشينا مواجهته أمام بارما.

 

كان حظ الإنتر سيئًا و كانت هناك مشاكل و هراء، و قد لعب الفريق مباراة كلاسيكية في ملعب ديلِّي ألبي ضد اليوفنتوس في ربيع 1998 و كانت الفارق نقطة واحدة أو نقطتين. كانت المباراة تمامًا كنهائي السيري آ و عمت إثارة غير معقولة أجواء اللقاء. انطلق رونالدو بالكرة في الجهة اليُسرى داخل منطقة الجزاء، لكنه أوقف بوحشية و صرخ الملعب بأكمله. المشجعون كانوا مجانين و الملعب كاد ينفجر، لكن الحكم لم يصفر على الإطلاق بل ترك المباراة تمضي و فاز اليوفنتوس بنتيجة 1-0 و بلقب الدوري. تلك اللقطة في أعين الجميع هي من حددت مصير البطولة،

 

لقد كانت لحظة الإنتر الشريرة و كان لا يزال هناك حديث عنها، و رغم أنها كانت واضحة كبريق الكريستال لا حدث شيء بشأنها، فعم الغضب و الاحتجاج في جميع أنحاء إيطاليا و انتشرت أقاويل عن وجود رشاوى قدمت لذلك الحكم، أو أن جميع الحكام كانوا مرتشين و فاسدين و أغبياء في المجمل. بالطبع كان لدى الأعضاء القدامى في النادي ذكريات حية عن مثل تلك الأحداث خاصة أنها حدثت عدة مرات مع النادي. قبل أعوام كان الاسكوديتُّو بين أيديهم لكنه خسروا في الجولة الأخيرة في مباراة وحشية ضد لاتسيو (بنتيجة 4-2 في موسم 2001-02) و في الموسم التالي أصيب رونالدو ببشاعة ثم ذهبوا للجحيم، و كأن الفريق خسر محركه و وقوده، فأنهى الإنتر الموسم في المركز الثامن، كأسوأ ترتيب له على الإطلاق حسب ما أعتقد. لكن الآن لا أحد تحدث عن تلك القصة، لا أحد أراد جلب الشؤم إلى أجواء الفريق.

 

لكن الكثيرون فكروا في ذلك قبل قبل مباراة بارما و كانت هناك شكوك، فالناس تذكروا و جن جنونهم "كيف لماتيرادزي أن يضيع تلك الركلة؟" .. لقد كانت هناك عدة فرص لحسم لقب الدوري لكن زملائي فشلوا في كل مرة. كانت هناك أشياء غريبة تحدث لنا طيلة الوقت كسوء الحظ على سبيل المثال، كان هناك كل أنواع الهراء قبل المباراة ضد بارما، و كان الجميع مستعدون لفعل أي شيء إلا أن ذلك في حد ذاته كان مشكلة فالضغط كان ليصبح كبيرًا للغاية عليهم و كان من الممكن أن يقيدنا، كما قامت إدارة النادي بمنعنا من التحدث مع وسائل الإعلام لكي نحظى بتركيز كامل. أيضًا مانشيني، الذي كان يعتقد مؤتمرات صحفية قبل المباريات، ظل صامتًا.

 

الوحيد الذي تحدث كان موراتِّي. لقد أتى إلى فندقنا عشية اللقاء و لم يقل شيئًا للمراسلين سوى "تمنوا لنا حظًا موفقًا، نحن بحاجة لذلك". الأمر لم يكن أسهل على بارما الذي أراد خطف الفوز للبقاء في دوري الدرجة الأولى. كانت هناك تلك الجدية المميتة من الفريق المنافس مثلنا. لم يكن بمقدورنا أن نحصل على أي شيء بالمجان و مباشرة قبل أن نذهب إلى الملعب جاءت الأخبار بأننا لا نتمتع بدعم مشجعينا. لقد كان أمرًا عادلًا فمشجعي روما لم يتمكنوا من السفر مع فريقهم إلى كاتانيا لأسباب أمنية و لذا لم نكن قادرين على أن نحظى بوجود مشجعينا في بارما. فيما بعد استطاعت فئة قليلة الدخول إلى الملعب.

 

كل شيء تم مناقشته و تغطيته، و أتذكر مانشيني حين علم أن جيانلوكا روكِّي هو من سيحكم المباراة، فانفعل قائلًا "ذلك الشيطان دائمًا يسبب لنا الهراء". السماء كانت ملبدة بالغيوم الداكنة اللون و  بدت أنها ستمطر، و قد بدأت على دكة البدلاء. لم أكن قد لعبت منذ مدة طويلة و مانشيني بدأ ببالوتيلِّي و كروز في الهجوم، "لكن كن مستعدًا، كن جاهزًا للمشاركة" هذا ما قاله لي، و قد أومأت برأسي. لقد كنَّا جميعًا نجلس على الدكة تحت سقف صغير و سمعنا أولى قطرات المطر تنزل على الملعب، و سرعان ما انهرمت بقوة و بدأت المباراة و هتف المشجعون ضدنا. لقد كان ضغطًا رهيبًا و قد سيطرنا على مجريات المباراة، الفريق ضغط بقوة و كروز و مايكون حصلا على فرص مذهلة للتسجيل، لكنهما لم يفلحا. بدا وضعًا ميئوسًا منه و نحن على دكة البدلاء كنا نتابع المباراة و كأننا على حافة الهاوية. طيلة الوقت كنا نصرخ و نلعن و نأمل و نتحسر، لكن في كل لحظة كنَّا ننظر على الشاشة الالكترونية في الملعب.

 



شكرا لك ، سيتم نشر التعليق حال الموافقة عليه
الرجاء إدخال الاسم
الرجاء إدخال الدولة
شاركنا رأيك
رأيك
12 رأيك
 
اختيارات القرّاء
  1. حصاد الموسم | أفضل 10 لاعبين في البوندسليجا 2011-2012 حصاد الموسم | أفضل 10 لاعبين في البوندسليجا 2011-2012

    عشرة أسماء تميزت هذا الموسم، ولك عزيزي القارئ أن تختار منها الأفضل على الإطلاق...

  2. جنة كرة القدم (38) | إلى اللقاء إيطاليا جنة كرة القدم (38) | إلى اللقاء إيطاليا

    الحلقة الأخيرة لموسم 2011-2012 ....

  3. ‎ تقرير خاص | كيف أصبحت ألمانيا منجماً للمواهب؟ ‎ تقرير خاص | كيف أصبحت ألمانيا منجماً للمواهب؟

    ما هي العوامل التي أدًت إلى هذا الربيع الكبير في المواهب الألمانية

  4. لافتات (71): الرسالة ! لافتات (71): الرسالة !

    مقال جديد من محمد حجاج ....