thumbnail مرحباً,

إنّه الدوري الأقوى ..

إنّه الدوري الذي تتقارب نقاط الفرق فيه من بعضها ..

إنّه الدوري الذي يتم الحسم فيه مع صافرة الجولة الأخيرة ..

إنّه الدوري الذي قدّم للعالم خيرة أساطير اللعبة ..

إنّه الدوري الحلم ..

إنّه الدوري الذي لا يوجد فيه كبير أو صغير ..

إنّه وإنّه وإنّه ..

عبارات نسمعها دائماً من كلّ عشاق الدوري الإيطالي، وهو أمر قد نتفق معه عاطفياً ولكن لغة المنطق والعقل اليوم بعيدة كل البعد عن هذه النظريات والتحليلات.

فمنذ دخول الألفية الجديدة، دخلت الكرة الإيطالية في مرحلة "الأنفاس الأخيرة"، حتى كان لعب نهائي "الحلم" الأوروبي عام 2003 بين اليوفنتوس والميلان هو آخر حلقات "الجبروت الايطالي"، لتبدأ بعدها مرحلة الهبوط التدريجي، والتي كان آخر فصولها خسارة المقعد الرابع المؤهل لدوري الأبطال لمصلحة البوندسليجا الألمانية.

فيما يلي قراءة وتشخيص لأهم مشاكل الكرة الايطالية والمرحلة التي تعيشها بالعموم، والتي قادت الى هذا التراجع الكبير من على سلّم تصنيف الدوريات حول العالم.

خطوة للخلف  

إذا ما أردنا تقييم الحالة بشكل عام فإن التراجع الايطالي يتضح أكثر إذا ما نظرنا للدوريات التي تسلقت القمّة واعتلتها، وأقصد هنا الدوري الانجليزي (صاحب الـ 14 تواجد في نصف نهائي دوري الأبطال مقابل 4 مرات فقط للكرة الايطالية منذ العام 2003 وحتى الان)، وكذلك الدوري الإسباني الذي يعيش باكورة نجاحاته برواية البارسا التاريخية والتي تكتب فصولها حتى اليوم.

وأمام هاتين الحالتين لا بد من النظر إلى الأمر بشكل جدي وعقلاني بعيد عن التعصب، فالدوري الايطالي والذي كان عبر سنوات طويلة يعدّ الرقم الأصعب والدوري الحلم لكل نجم يبحث عن النجاحات والتألق، أصبح اليوم يفتقد الى "الرغبة" من قبل النجوم، كما يفتقد إلى "التطور والتقدّم" ومواكبة الآخرين، بل حتى ويفتقد الى جماهيره الغفيرة فوق المدرجات !

هي أمور متداخلة كثيرة أدت إلى هذه الحالة، وفيما يلي نأتي على كل حالة بشيء من التفصيل والتحليل.

رغبة النجوم

بلاتيني، مارادونا، رومنيجيه،  فان باستن، خوليت، ريكارد، ماتايوس، فالكاو، رونالدو،  زيدان وغيرهم من العباقرة .. كلها أسماء كانت تركض وتحلم باللعب في الدوري الايطالي , بل حتى أن الاتحاد السوفيتي عندما خرج منه أول لاعبيه للعب خارج النطاق السوفيتي بأسماء مثل سيرجي الينكوف والكساندر زافاروف فإن التوجه كان مباشرة نحو الدوري الايطالي، أما اليوم يظهر العجز "الايطالي" جلياً وواضحاً في مقارعة الدوري الإنجليزي والإسباني في هذا الشأن.

فأسماء نجوم اليوم من أمثال ميسي وكريستيانو رونالدو كلنا ندرك أننا لن نراها في القريب المنظور تلعب لأي فريق إيطالي، وذلك ببساطة لعجز الكرة الإيطالية وأنديتها عن "الصرف والدفع" لمثل هذه الأسماء , وذلك يعود لعدم جاهزية هذه الأندية اليوم عن مواكبة "ثورة الأسعار" الكروية، بل وحتى عدم قدرتها على تلقّي أي صدمات مالية أو ماديّة .

فالهزة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت العالم كلّه، إذا ما أردنا استشعار أثرها الحقيقي في عالم الكرة فإن الدوري الإيطالي اليوم يعتبر حالة واقعية نعيشها، والأمثلة عليها كثيرة .  

فكلنا عاش على وقع "قصة" تيفيز والانتقال للميلان، والتي تعطلت وفشلت في نهاية المطاف، ليقتنع الجمهور أخيراً .. بماكسي لوبيز !

وما يزيد الأمر تأكيداً هو ظهور أسماء مرشحة للعب في الأندية الإيطالية الكبرى، نراها اليوم أمام عروض أخرى، تفضّل الذهاب لأندية أقل شهرة، سواء في الدوري الإنجليزي أو الإسباني أو حتى الألماني !

قديماً كان اسم ناد ايطالي يكفي لإتمام أكبر صفقة، ومن يقرأ "رواية" إنتقال سيفوري من ريفر بلايت إلى اليوفنتوس سيدرك الأمر وماهيته .

 قديماً كان لأسماء العائلات دور كبير في إتمام "جسام" الأمور. أمّا اليوم فإننا نرى تراجع الصرف المادي من قبل عائلات مثل برلسكوني انيللي وموراتي، والتي كانت إمبراطوريات تدير أنديتها مادياً، وهو الأمر نفسه الذي قاد للسقوط والتراجع الحالي نتيجة الإتكال على هذه "الأبوية" العائلية، والتي إذا ما أردنا استثناء أحد من هذه المعادلة اليوم، فإن اليوفنتوس يبقى الوحيد الذي "يحاول" إيجاد البدائل للعائلة ودور الأب، وذلك بخلق "بيئة داخلية" ومصادر دخل من النادي نفسه، تكون الأساس للصرف والتمويل .

ولكن حتى اليوفي والذي يعتبر خلال الفترة الأخيرة "أكثر جوداً" من أندية ميلان، فإن رواتب أربعة من كبار نجومه هو ما يعادل الـ 85 ألف يورو أسبوعياً، في حين يدفع المان سيتي لمثل هؤلاء ما يقارب الـ 240 ألف يورو أسبوعياً !

لهذا، فلا عجب أن نرى مثل ايتو يتجه نحو "أنزي" المغمور، في عصر لا بد أن تكون قوة المال هي أساس ما أنت عليه، ليس في عالم الكرة وحسب، بل في كل مجالات الحياة، وهو أمر يقودنا نحو النقطة الثانية لأسباب التراجع .

الحضور الجماهيري .. الملاعب الإيطالية

في عالم اليوم، فإن امتلاك الملعب الخاص بك هو ركيزة أساسية لمن أراد الاستثمار والحصول على المال في كل وقت وحين .

إيطاليا" جنّة كرة القدم" كما قيل قديماً، تفتقد كلّها إلى هذا الأمر الذي يعتبر من القواعد الأساسية للنجاح والتقدّم، إلا اليوفنتوس طبعاً والذي أحسن التصرّف في هذا المجال بإنشاء ملعبه الخاص والذي يمكنه الاستفادة من مردوداته المادية في كل يوم، وذلك من خلال المولات والمتحف وغيرها من ملحقات الملعب، إضافة إلى الملعب نفسه والذي سيشكّل فارقاً مستقبلياً بينه وبين الأندية الأخرى إذا ما بقي الحال على ما هو عليه !

ملاعب إيطاليا الأخرى مملوكة من قبل الدولة نفسها، ومردودات المباريات والإعلانات لا يستفيد منها النادي وحده، فالدولة هنا شريك في كل لقمة، وفي كل نفس !

ومعيار الملعب اليوم , وسط تراجع "الدعم العائلي"، أصبح أمراً لا بد منه إذا ما أرادت الكرة الإيطالية وأنديتها الخروج من "القمقم" الذي ما زالت تعيش فيه .

ولإدراك أثر الملاعب في تردي الحالة عموماً، فإن النظر الى أعداد الجماهير التي تحضر مباريات اليوم في إيطاليا سيجعلنا ندرك الصورة كاملة .

قرابة الـ 30 ألفاً تواجدت في لقاء روما والانتر هذا العام في الاولمبيكو !

10 ألاف حضروا مباراة الفيولا واودونيزي في ملعب يتسع لقرابة الـ 45 ألف مشجع !

 وهي أرقام لا أستطيع حتى مقارنتها بأعداد من يحضر دوري الدرجة الثانية الإنجليزي والذي يكتظ فيه المشجعين بشكل ملفت .

بل أن هذه الأرقام تعتبر مخجلة لمن يعرف الكرة الإيطالية وملاعبها، والتي كانت في ثمانينيات القرن المنصرم تمتلأ مدرجات ملاعبها حد "الاختناق"، في مناظر ما زالت عالقة في أذهان كل عشاق الكالشيو من أبناء ذلك الزمان . وما يزيد الطين بلّة هو الحالة العامة للملاعب الإيطالية، والتي صبحت رثة قديمة لا تتماشى مع إجراءات السلامة ومتطلبات العصر، وهو الأمر الذي قاد هذا الموسم إلى تأجيل عدد كبير من المباريات نتيجة الظروف الجويّة وعدم إستعدادات هذه الملاعب لمثل هذه الأجواء !

ندرة المواهب ..

وهو باب يحملنا إلى أبواب وتساؤلات أخرى عديدة ..

من هو آخر موهبة إيطالية نستطيع أن نقول أنه نضج وأصبح من بين الكبار، ويلعب لأندية كبيرة !؟

ربما الكثيرون سيقولون بـ ماريكيزيو مثلاً، وهو من دون أدنى شك يستحق الثناء والتقدير، ولكن إذا ما نظرنا الى عمره (26 عاماً)، فإننا سندرك حقيقة المشكلة والحالة الإيطالية، خصوصاً إذا ما علمنا أن ميسي (والذي حقّق حتى اليوم الكثير من الإنجازات على كافة الأصعدة الفرديّة والجماعية) يعيش على أبواب عامه الـ 25 !

قرأت يوماً للقصير المكير الإيطالي "جيانفرانكو زولا" كلاماً يقول فيه :

" كانت الكرة الايطالية تركض وراء المواهب في الشوارع .. لم يكن هناك معايير للجلب والإستقطاب إلا الموهبة .. لو أني عشت في هذا الزمان لما أصبحت لاعب كرة قدم، خصوصاً أن معايير "المستكشفين" اليوم في إيطاليا تهتم بالطول والحجم والبنية الجسدية، وهو أمر لا يتوفر بي" .

كلام زولا نستشعره اليوم من خلال ما نرى أمامنا .

فقبل سنوات مرّ عمالقة الدفاع الإيطالي، واليوم ما زلنا نعيش على وقع "نيستا وكانافارو ومالديني"، تماماً كحال الهجوم والوسط وحتى حراسة الرمى !

فأسماء مثل ديلبييرو وتوتي لا نجد من يستطيع خلافتها اليوم، وكذلك الحال بالنسبة لبوفون وبيرلو وجيل كأس العالم 2006 بالعموم .

والأمر كذلك ينطبق على واقع المدربين في الدوري، سواء من الطليان أو غيرهم،  فآخر اسم بارز مرّ في الدوري الإيطالي كان مورينهو، واليوم نجد أنفسنا أمام حالة "غياب تام" لأسماء الصفوة في عالم الكرة. بل حتى أن الأمر وصل حد الإدراك أن أسماء مثل كابيلو وليبي ستفضّل التدريب خارج نطاق الدوري الإيطالي إذا جاءها من العروض ما يرضيها مادياً، وهو أمر ما كان ليكون قبل سنوات مضت عندما كانت دكة التدريب في الدوري الإيطالي لا يجلس عليها إلا "أباطرة" اللعبة وعمالقتها !

الكالشيو بولي ..

هي الرصاصة الأخيرة في النعش، بل كانت القشّة التي قسمت ظهر البعير.

فالكل امتدح جرأة الطليان على مواجهة ما "تم تداوله" في العام 2006، وأن الأمر شبيه بفضيحة الـ "توتونيرو" التي عصفت بإيطاليا في بداية الثمانينات من القرن الماضي .

ولكن ما ظهر لاحقاً زاد من حدّة "التشوّه" الايطالي عموماً .

فبرغم اللعب بأسوأ مستويات الدوري على الاطلاق في الفترة الممتدة من موسم 2006 وحتى الموسم المنصرم، وذلك نتيجة غياب المنافسة أو حتى "المجاملة" في دوري أصبح فيه الأمر محسوماً قبل أن يبدأ، فإن ما زاد الطين بلّة هو إثبات أن ما كان في العام 2006 ما هو إلا قضية باطلة، زاد تأكيدها ما صدر من قرارات محكمة نابولي المدنية والتي أكدت شرعية الترتيب النهائي في جدول الدوري لعام 2005 والذي كان محط الجدل وأساس الفضيحة !

مما يعني أن الأمر كان عملية تصفية حسابات شخصية وقضيّة مبنية على الهواء، لم تؤدي الى غياب اليوفنتوس عن الساحة فقط، بل وغياب تام للكرة الإيطالية ككل، وأعني هنا قيمة وسمعة الدوري الإيطالي والكرة الإيطالية عموماً.

ولا أميل هنا للكلام عن لقب دوري الأبطال الذي حقّقه مورينهو مع الانتر بفريق دخل النهائي بتشكيل لا يوجد فيه لاعب أساسي ايطالي !

 فالأمر ننظر إليه من منظور كرة قدم إيطاليا بالعموم، والتي يبدو أن محاكمها الرياضية اليوم ستقوم باتخاذ قرارات جديدة تعمل على "تحسين" المنظر الذي تشوّه بفعل الكالشيو بولي، ولكنها أبداً لن تستطيع تحسين صورة ما تشوّه من جرّاء الكالشيو بولي، لندرك أخيراً أن إيطاليا ومن يسيّرون كرة القدم فيها يحملون حبال مشانق كرتهم بأيديهم، بانتظار ما ستسفر عنه "حرب العائلات وتصفية الحسابات"، آملين أن لا تكون النهاية بإعلان "حرب شاملة" تقود لإنهيار المنظومة الكروية الإيطالية بالكامل !

عموماً ..

فإن الكرة الإيطالية برغم آهاتها ومعاناتها، إلا أن فيها تقاليد كروية راسخة ورثتها الأجيال عبر التاريخ والأيام، وهي التي كانت الأساس دوماً لبقاء "حلاوة" الكرة الإيطالية ورونقها . وهي ما تحتاج اليه إيطاليا اليوم أكثر من أي وقت مضى لتعود الى قمّة العالم والهرم الكروي.

فهي كرة، حتى في عزّ أزماتها كانت تحقّق إنجازاتها (كأس العالم 1982 و كأس العالم 2006).

لذلك، فما دامت هناك كرة قدم في إيطاليا تُركل، فإن الأمل يبقى أبداً معقود على عودة الكالشيو إلى ألقه وقمّة مجده، وإلى جعلنا نعيش من جديد على وقع معزوفات فنيّة خالدة كتلك التي ما زال صداها يسمع، كلما شاهدنا مارادونا وبلاتيني، وغيرهم من الأساطير التي ستبقى في ذاكرة الكرة خالدة، تماماً كخلود عشق الكرة الإيطالية والدوري الإيطالي في قلوب عشّاقه ومحبيه .. إلى الأبد !


انضموا لصفحة جول.كوم للأخبار العربية على الفيس بوك

              
http://u.goal.com/134800/134843.jpg

أخبار متعلقة